محمد بن جرير الطبري
219
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون قال الملأ الأعلى : الملائكة حين شووروا في خلق آدم ، فاختصموا فيه ، وقالوا : لا تجعل في الأرض خليفة . 23098 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي بالملأ الأعلى إذ يختصمون هو : إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة 23099 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما كان لي من علم بالملأ الأعلى قال : هم الملائكة ، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة : إني خالق بشرا من طين . . . حتى بلغ ساجدين ، وحين قال : إني جاعل في الأرض خليفة . . . حتى بلغ ويسفك الدماء ، ففي هذا اختصم الملأ الأعلى . وقوله : إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لمشركي قريش : ما يوحي الله إلي علم ما لا علم لي به ، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه ، إلا لأني إنما أنا نذير مبين فإنما على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض ، فسواء اسقاط خافضه منه وإثباته . وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض ، فإنه على مذهبه نصب ، وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر ، وهو أن يكون معناه : ما يوحي الله إلى إنذاركم . وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى ، كانت أنما في موضع رفع ، لان الكلام يصير حينئذ بمعنى : ما يوحى إلي إلا الانذار . قوله : إلا أنما أنا نذير مبين يقول : إلا أني نذير لكم مبين لكم إنذاره إياكم . وقيل : إلا أنما أنا ، ولم يقل : إلا أنما أنك ، والخبر من محمد عن الله ، لان الوحي قول ، فصار في معنى الحكاية ، كما يقال في الكلام : أخبروني أني مسئ ، وأخبروني أنك مسئ بمعنى واحد ، كما قال الشاعر : رجلان من ضبة أخبرانا * أنا رأينا رجلا عريانا .